الثلاثاء، 13 أبريل، 2010

صحوة عقل


وقفت في قلب الصقيع تنتظر القطار في خوف وهي تتلفت فيما حولها وتكاد رأسها تنفجر من عمق التفكير وتملؤها الحيرة والتردد
وفجأة توقف القطار في محطة البلدة اللي تقطن بها فازدردت ريقها بصعوبة وصعدت وهي تقدم قدم وتؤخر قدم
فلقد وضعت أمام الأمر الواقع.....
ووجدته أمامها فتهللت أساريره فور رؤيتها
فارتجفت بقوة من داخلها عندما وقعت عينيها عليه فكانت تسمع صوت نبضها بشدة
وتتلاحق أنفاسها حتى كادت أن تختنق
فأخذها من يدها واجلسها بجواره
فجلست وهي ذاهبة بعينين شاردتين تتلفت في جميع أنحاء القطار وتنظر الى وجوه الركاب في شرود فكانت ترى صورهم باهتة شاحبة
فلحظ شرودها وارتجافها وعينيها المليئتين بالخوف والحيرة وهي تحاول ان تخفيهما عنه
ضغط على يدها بقوة تملؤها الحنان ونظر في عينيها بمنتهى العمق ووتعلقت عينيه بشفتيها في شوق
وهمس بها في رقة ماذا بك؟
فنظرت إليه بابتسامة باهتة وأغمضت عينيها الذابلتين وهزت رأسها وقالت له لا شيء وصمتت...
فظل يهيم بها في بحورمن الأمال والوعود والجنة التي سوف يسكنوها ويعيشون فيها باقي عمرهما وهي لا تستطيع أن تعي حرف واحد مما يقول فقط ظلت محتفظة بابتسامتها الباهتة الحائرة

وزاد الطنين في رأسها وشعرت بدوار لم تستطيع معه سوى أن تغمض جفنيها المثقلين


واسترجعت المكالمة الهاتفية التي تمت بينهما ليلة أمس
وكيف أنه لم يترك لها خيار سوى الهرب معه وأن يتزوجا رغماً عن أهلها وعن المجتمع وعن كل الظروف
وكيف أن أبيها لم يرحب به زوجاً لها لأنه يرى أنه لا يصلح لها ولا يناسبها بأي حال من الأحوال
حيث أنه رجل له زوجة وأولاد ويكبرها بكثير وهي فتاة في مقتبل عمرها وميعة صباها
فقد جفاها مرقدها طوال الليل وهواها السهد والكرب وهي حائرة بين قلبها وعقلها
فقد استعانت بالله وملائكته ورسله وبكونها ابنة رجل محترم ولكنها نفوسنا التي تأمرنا بما تهواه قلوبنا

فقد جال بخاطرها أنها قد أخذتها معه نشوة العشاق واضطرابهم اللذيذ ويسعد قلبها مرآه ويدغدغ أحاسيسها عطره
ويعزف على أوتار عواطفها حبه وتأسرها نعومة حديثه ويبهرها بمعسول الكلام الذي يسيل من لسانه
وأرادوا أن يحطموا معاً القيود التي كبلهما بها مجتمعهم بقصة حبهما هذه
ولكنها غرقت في اضطرابها وتوترها عندما جال بخاطرها أيضاً زوجته وأولاده
هذه الزوجة التي كانت هي العشق الأول في حياته والتي ساندته وأعانته ليصبح ذي شأن بين الناس
فلم يكن زواجه منها زواجاً تقليدياً بل تزوجها عن عشق واقتناع وقصة حب هزت أرجاء الوسط الذي كانوا يعيشون فيه وأصبحت بينهما عشرة وثلاثة من أجمل وأبرأ الأطفال
أبهذه السهولة قد نسيها وتركها وترك أولاده من اجلي أنا

كيف لي أن أحرم زوجته وأولاده الثلاثة من حبه وعطفه وحنانه
وكيف أدري أنه لن يفعل بي كما فعل بها
كيف أدري أنه لن يتركني من أجل امرأة أخرى
فمن تهون عليه زوجته وأولاده بهذه السهولة يهون عليه كل شيء

وأبي .......أبي!!!!!
وفجأة
جائها هاتف من داخلها وصرخ بها....
ويحك ماذا ستفعلين !!!!!

أتريدين لطم أبيكي على وجهه بفعلتك هذه فتهبطين به إلى أغوار سحيقة لا بداية لها ولا نهاية ولا قرار
أبيكي الذي كنتي أنتي محور حياته واهتمامه وقلقه وخوفه وحنانه وعطفه
وهو الذي رباكي ورعاكي ولا تكتمل سعادته إلا بفرحتكي وسعادتكي واطمئنانه عليكي
أتريدين أن تودي بحياة أمك المريضة التي لا ترجو شيء من هذه الدنيا إلا أن تراكي في ستر ورضا

عند هذه اللحظة......توقفت
أرادت أن تعاود أدراجها إلى أحضان بيت أبيها
هذا البيت الذي قضت به أهناً وأبرأ لحظات حياتها

فتعالت أنفاسها مع صوت عجلات القطار وفجأة....
رمقته بنظرة حادة... وانتزعت حقيبتها وأسرعت مهرولة خارج القطار وكأن شبحاً يطاردها
فنزل عليه زهولاً من تصرفها هذا وظل يصرخ باسمها بدوي لفت انتباه كل من في القطار إلا هي!!
فكانت لا تسمع سوى صوت نبضات قلبها ودموعها التي تنهمر بغزارة من عينيها
مختلطة بابتسامة ضميرها


ورحل القطار ورحل هو معه...