الأحد، 21 يونيو، 2009

حسرة أم



ذات يوم اصطحبتني أمي معاها لزيارة أقارب لنا .....
فذهبت معها وأنا متشوقة لزيارة هؤلاء الناس ورؤيتهم وكانت المرة الأولى في حياتي أدخل هذا المنزل....
أردت أنا أرى الأم وصاحبة هذا المنزل بعد الفاجعة التي حلت بها منذ سنوات قليلة
وبمجرد دخولي من بابا المنزل نظرت على الحائط في مدخل البيت فوجدت صورة لطفل جميل ووديع وضع الله في وجهه كل معاني البراءة والجمال
وفي عينيه علامات اليتم والأسى
وكان هذا الطفل صورة طبق الأصل من أبيه الذي رحل عنه وهو مازال جنين في بطن أمه
وخرجت لنا من داخل غرفة سيدة في الخامسة والخمسين من العمر
ورقة ورد في عينيها حزن العالم كله وابتسمامتها كلها أسى وحسرة ومرارة
فاستقبلتنا أحر الإستقبال
ووجدتني واقفة أنظر لصورة الطفل فسألتها من هذا الطفل؟
فقالت لي وعينيها كلها حزن إنه ابن المرحوم .....
فأجلستنا وأحضرت لنا الشاي وجلست تتحدث معنا هي وابنتها
وتمنيت كثيراً أن تحدثني عن هذا الشاب الذي اختطفه الموت منها وهو في مقتبل عمره

كان شاب وسيم يتميز بالأخلاق السامية وبالشخصية القوية وحب الناس ومن أحبه الله أحبه الناس. فكنت أعرفه جيداً وتكلمت معه كثيراً ولذلك كنت أتمنى أن أرى أمه وأرى طفله الذي تركه وهو مازال جنين
إنه كان أكبر أولاد هذه السيدة وأقربهم إلى قلبها وأحنهم عليها
تزوج هذا الشاب وهو في السابعة والعشرين من العمر ومرض بالسرطان ولم يستمر مرضه شهور معدودة وتوفاه الله بعد زواجه بسنة واحدة وكانت زوجته تحمل في أحشائها هذا الطفل الجميل
فتبادلنا معها أطراف الحديث وفي منتصف حديثنا ذكرت حفيدها وكيف تعتني به وتهتم به وقالت إنه نور عيوني أنه ابن أغلى الناس وحكت لنا كيف تركته أمه وذهبت لتتزوج من رجل أخر وهو مازال طفل رضيع وكيف أنها توسلت إليها أن تعيش معهم وقالت لها لو أردتي الزواج فسوف أزوجك إبني الثاني لكني أستحلفك بالله لا تتركينا وترحلي فأنني كلما نظرت إليكي تذكرت ولدي وفلذة كبدي .فلم تبالي هذه الزوجة بتوسلات هذه الأم الحزينة وذهبت لتتزوج رجل أخر لا يميزه أي شئ سوى أنه رجل غني ويمتلك مالا كثيراً ويكبرها بكثير ومتزوج من امرأة أخرى ولكن زوجته لا تستطيع الإنجاب فأراد أن يتزوجها لتنجب له طفلاً وذهبت وتركت طفلها الرضيع . ولم تكتفي بذلك فقد أخذت معها كل محتويات الشقة حتى حجرة ابنها الصغير وقالت لي هذه الأم أنها أيضا إستسمحتها أن تحتفظ بأي شئ من محتويات ابنها الفقيد الذي رحل عنها في مقتبل عمره وتوسلت إليها أن تترك لها السرير والمراتب وقالت لها إنني لا أتحمل أن ينام رجل أخر على سرير ولدي وفي مكانه
فرفضت هذه الزوجة أن تترك أي شئ لهذه العائلة المسكينة والمنكوبة في موت ولدها
ولقد قالت لنا هذه الأم أيضا وعينيها مليئة بدموع الحسرة والألم....
لقد رأيت ولدي يموت أمام عيني ثلاثة مرات...
مرة عند خروجه من بيتي إلى قبره ومثواه الأخير
ومرة عند زواج زوجته من رجل غيره
ومرة ثالثة عندما رأيت كل محتويات شقته تخرج من البيت.
وقتها تقطع قلبي وتمزق على هذه الأم وأردت أن أنهض من مكاني واحتضنها
ولم أستطيع أن أمنع دموع عيني
إنني لم أحزن في حياتي على أحد مثلما حزنت على هذه الأم
التي اعتبرتها ورقة ورد داسها القدر في طريقه وأحرق قلبها على أعز إنسان لديها
لم أستطيع أن أفعل أي شئ سوي أنني توسلت إليها أن تحافظ على صحتها لكي تستطيع أن تربي هذا الطفل مثلما استطاعت أن تربي أبيه وقولت لها أن الله سبحانه وتعالى رحيم بكي لأنه ترك لكي أجمل ذكرى من ولدك الراحل. ولا تحزني فإن ولدك كان بمثابة وديعة وضعها الله عندك واستردها حينما شاء.
وتمنيت أن أرى زوجة هذا الشاب الراحل لأصفعها على وجهها وأسألها كيف سمح لها قلبها أن تترك طفلها الرضيع وتذهب لتتزوج؟
وكيف استطاعت أن تضرب بقصة حبها الجميلة عرض الحائط وتسمح لرجل غير زوجها الراحل أن يمسسها؟
وكنت أعرف جيدا أنهما تزوجا عن قصة حب جميلة.
كيف استطاعت أن تترك أجمل ذكريات عمرها بهذه السهولة ؟
كيف استطاعت أن تتخلى عن أجمل مشاعر يمكن أن تتحلى بها أي امرأة في الكون وهي مشاعر الأمومة؟
كيف استطاعت أن تنام وتغمض جفنيها دون أن تقبل أجمل طفل رزقها الله به؟
كيف استطاعت أن تقسو على هذه الأم المسكينة وتضرب بتوسلاتها عرض الحائط وهي أم لرجل أحبها وتزوجها وعاشت معها أجمل أيام عمرها؟.

وكأنما أراد الله أن ينتقم من هذه الزوجة ويستجيب لدعاء هذه الأم
فلم تنجب هذه الزوجة سوى بنات فقط من زوجها الجديد فقد رزقها الله بأربعة بنات ولم تنجب له أولاد فذهب وتزوج عليها زوجة أخرى.

وبعد ما خرجنا من هذا المنزل الذي شعرت أنه مليئ بالحزن ونحن في طريقنا إلى بيتنا ظللت طول الطريق أدعو لهم بالصبر والسلوان والثبات .
وقولت لأمي...
نعم إنه من يرى مصائب الناس تهون عليه مصائبه.